الصفحة الرئيسية » تحقيقات صحفية
نشر بتـاريخ : 2013-02-21 السـاعة : 12:13 PM

" أحدهم فقد أبناءه الستة.. وآخر وزوجته وقعا ضحيتي تقرير طبي خاطئ "
زواج الأقارب.. أطفالٌ مشوّهون بلا ذنب وأُسَر ضحايا لعادات المجتمع

زواج الأقارب.. أطفالٌ مشوّهون بلا ذنب وأُسَر ضحايا لعادات المجتمع

 

ريم سليمان, دعاء بهاء الدين- سبق- جدة: "هذا ما جناه أبي عليَّ" تلك العبارة نراها في أعين كثيرٍ من الأطفال الذين أُصيبوا بأمراضٍ وراثية نتجت من زواج الأقارب أو بسبب عدم التوافق بين الزوجيْن، حيث تأتي النتيجة بطفلٍ مريضٍ يعتصر قلب أبويه حزناً عليه ويعيش عمره كله عالةً على المجتمع.
تُرى هل بات هناك وعي عند المجتمع بأهمية الفحص الطبي قبل الزواج حتى لا نأتي بأطفالٍ مرضى مشوّهين، أم ستظل العادات والتقاليد والتواكل وعدم الاهتمام بما سيحدث في المستقبل هي سمة هذا المجتمع؟!

تقريرٌ خاطئ
 
تحدّث عبد الله الحسين عن معاناته مع أبنائه قائلاً: أنا وزوجتي ضحيتا تقريرٍ خاطئ صدر عن مركز الفحص الطبي قبل الزواج، أكّد خلونا أنا وزوجتي من أيِّ أمراضٍ تمنع الزواج، معرباً عن حزنه لوفاة ابنه نتيجة مرض الثلاثيميا الوراثي، ومعاناة ابنه الثاني أربع سنوات من المرض نفسه.
 وقال: يتمزق قلبي على ولدي، وقد شوّه المرض وجهه وسبّب له التهاباتٍ، ويعتصرني الألم عندما ينقل له دم كل شهر وينوَّم في المستشفى. وأوضح أنه حالياً متوقفٌ عن الإنجاب حتى لا ينجب طفلاً آخر مصاباً بمرضٍ وراثي. وناشد في ختام حديثه الجهات الصحية بعلاجه حتى يستطيع الإنجاب مرة أخرى، بإذن الله.
 
تشوّهات خلقية

 
بصوتٍ ممزوجٍ بالبكاء تحدّث أحد الآباء عن مأساته  لـ "سبق" قائلاً: زوجتي ابنة عمي وقد تزوّجنا منذ عشر سنوات، معرباً عن حزنه لوفاة أبنائه الستة، وقال: عند ولادة أبنائي الستة لم تكتمل فرحتنا، حتى تعصف بنا الأحزان بعد ثلاثة أشهر من الولادة ويموت الابن نتيجة تشوّهات خلقية، وتظل تسكننا الأحزان، وبين الحين والآخر يحدونا الأمل من جديد بإنجاب طفلٍ سليمٍ صحياً، حتى تقرَّ أعيننا به.


وتابع: بعد وفاة ثلاثة أبناء لجأنا إلى الطبيب فاخبرنا أن السبب مرض وراثي، نتيجة صلة القرابة مع زوجتي، لافتاً أنه طلب من الطبيب كتابة شهادة طبية تثبت أنه لن ينجب طفلاً سليماً، حتى يستطيع كفالة طفلٍ من الشئون الاجتماعية، ليشبع هو وزوجته غريزة الأبوة والأمومة لديهما.
 
يقتلني الحزن
 
وبنبرة حزنٍ تحدّثت إحدى الأمهات، قائلةً: يقتلني الحزن كل لحظة عندما يكبر طفلي أمامي وهو منعزلٌ عن العالم نتيجة إصابته بمرضٍ وراثي، مبديةً حزنها لمرض ابنها، وقالت: أحضن ولدي كثيراً ليشعر بالأمان، وتظل دموعي رفيقتي طوال السنين، وأنا أعلم أنه لن يشفى من هذا المرض، وأعربت عن ألمها قائلةً: عندما يأخذ ولدي العلاج أشعر به وهو يتألم، ولا أستطيع تخفيف معاناته، داعيةً الله أن يلهمها الصبر على تربية ابنها ورعايته صحياً ونفسياً.
 
حياة سوية

 
بينما كشف أب آخر عن رغبته في طلاق زوجته، قائلاً: زوجتي قريبتي وقد أنجبنا ثلاثة أطفال مصابين "بمتلازمة داون"، مبدياً رغبته في إنجاب طفلٍ سليمٍ يعيش حياةً سوية، وقال: علمت من الطبيب أنني لن أستطيع إنجاب طفلٍ سليم البدن، لأن زوجتي قريبتي، وكشف عن رغبته في الزواج، قائلاً: أنوي الزواج من أرملةٍ خارج نطاق الأسرة، كي أضمن إنجاب طفلٍ سوي إن شاء الله.
 
فوائد الكشف المبكر

 
من جهته، أفاد مدير برنامج فحص ما قبل الزواج الدكتور محمد الصعيدي، بأن إجراء الفحص للمقبلين على الزواج لمعرفة وجود الإصابة لصفة بعض أمراض الدم الوراثية "فقر الدم المنجلي – الثلاسيميا" وبعض الأمراض المعدية كالتهاب الكبد الفيروسي ونقص المناعة المكتسب، وذلك بغرض إعطاء المشورة الطبية حول احتمالية انتقال تلك الأمراض للطرف الآخر من الزواج أو الأبناء في المستقبل، وإعطاء الخيارات والبدائل أمام الخطيبيْن من أجل مساعدتهما على التخطيط لأسرةٍ سليمةٍ صحياً. وعن فوائد الكشف المبكر للأقارب قبل الزواج، قال: الهدف منه تقليل انتشار الأمراض، فكم من الأعباء الاقتصادية التي يمكن أن تتحمّلها الأسر والمجتمع والدولة من الأمراض الوراثية، موضحاً أن هناك زيادة توعية لدى المجتمع بخطورة انتقال تلك الأمراض الوراثية.

 


 عيادة المشورة الطبية


وأفاد بأنه في حالة إصرار الزوجين على إتمام عقد الزواج مع وجود خللٍ ما بالتحاليل تتم إحالتهما إلى عيادة المشورة الطبية لشرح احتمالية انتقال الأمراض للأبناء وإعطاء الخيارات والبدائل من أجل مساعدتهما على التخطيط لأسرة سليمة ويبقى القرار النهائي لطرفَيْ العقد. وأعرب عن تفاؤله بزيادة الوعي الصحي، حيث لُوحظ ازدياد الوعي لدى المجتمع، وزادت نسبة مَن استجابوا للمشورة الطبية ولم يكملوا عقد النكاح بسبب وجود مشكلاتٍ مرضية من 9.2 % عام 1425هـ إلى 60 % عام 1432هـ.       
 

جينات وراثية
 
فيما قسّم استشاري طب الأطفال والطب الوراثي بمدينة الملك فهد الطبية الدكتور عيسى فقيه الأمراض الوراثية إلى: أمراض وراثية تحدث بسبب خلل في الصبغيات الوراثية "الكروموزومات"، وهذه تمثل 6 % فقط من مجموع الأمراض الوراثية، وليس للقرابة فيها دورٌ في اغلب الأحيان, مثل: متلازمة داون، مضيفاً أن هناك أمراضاً وراثية تنتقل عن طريق "الجينات الوراثية" وهي فرعان: أمراض منقولة من أحد الأبوين المصاب فعلياً بالمرض، ومن ثمّ ينقل المرض للأبناء، وهناك أمراضٌ محمولة بالمورث عن طريق كلا الأبوين الناقلين فقط (غير مصابين)، وهذه للقرابة دورٌ كبيرٌ فيها: كالأنيميا المنجلية.


وأشار فقيه إلى دراسةٍ منشورةٍ للدكتور محسن الحازمي وآخرين عام 1995؛ أظهرت أن زواج الأقارب يشكل 50 إلى 60 % من نسبة الزواجات في السعودية، وقد تصل في بعض المناطق كالقرى إلى 80 %، لافتاً أن 30 إلى 40 % من هذا الزواج أقارب من الدرجة الأولى، وقال: لقد أثبتت الدراسات  العلمية أنه كلما اقتربت درجة القرابة بين الزوجين ازدادت نسبة احتمال الإصابة بالأمراض الوراثية.


ونفى وجود دراسةٍ موثقة عن نسبة الأمراض الوراثية الناتجة من زواج الأقارب، لافتاً أنه ومن خلال المشاهدات السريرية للأطباء المتخصّصين في الطب الوراثي أن 80 إلى 90 % من الأمراض الوراثية تنتقل عن طريق الجين المتنحي المنقول من الأبوين القريبة.
 


إعاقات عقلية وجسدية
 
ونبّه فقيه إلى خطورة الأمراض الوراثية قائلاً: بعضها قد يكون مميتاً وخطيراً جداً في الأسابيع الأولى بعد الولادة كالأمراض الاستقلابية الوراثية، لافتاً إلى ارتفاع نسبتها  في السعودية عن العالم بأكمله، فهناك مولودٌ واحدٌ مصابٌ من كل 1000 مولود حسب آخر إحصائية نشرت 2011، وحذّر من تأثير بعض الأمراض الوراثية على الجهاز العصبي، فتؤدي إلى إعاقات عقلية وجسدية دائمة وتشنجات.


وعن إمكانية علاج الأمراض الوراثية، قال فقيه: بشكلٍ عام لا يُوجد علاجٌ ناجع لمجمل الأمراض الوراثية, لافتاً إلى أن العناية الطبية العامة طوال الحياة للمصاب بهذه الأمراض؛ يشكل تكلفة عالية للراعي الصحي سواءً كانت الأسرة أو الدولة بشكل عام.


وأوضح أن هناك أمراضاً استقلابية وراثية (مصحوبة بإعاقات جسدية وحركية مزمنة) تبلغ الرعاية الصحية لها من 5000 إلى 10000 ريال شهرياً، يتضمّن ذلك التنويم والأدوية المختلفة والمحاليل الطبية والفحوص المخبرية والإشعاعية في المستشفى وخارجه، مؤكداً أن هذه الأدوية لا تشفي المريض تماماً، بيد أنها تعمل على تخفيف حدة المرض  وتؤخر ظهور الأعراض المصاحبة له.
 
شهادة توافق بين الزوجيْن

 
وشدّد المأذون الشرعي الشيخ عمر العاطفي على وجوب إحضار شهادة طبية عند عقد القران قائلا: لا يجوز للمأذون إتمام إجراءات الزواج من دون شهادة "توافق بين الزوجين" الصادرة من المستشفى الحكومي، محذّراً من عقوبة مَن يخالف هذه التعليمات. وأكّد أن هذه الشهادة تثبت خلو الزوجين من الأمراض الوراثية، لافتاً إلى عدم اعتراف المحكمة "بوثيقة النكاح" دون صورة من الشهادة الطبية. وقال العاطفي: إن نتائج  الفحوص الطبية قد تستغرق من 10 إلى 20 يوماً في المستشفيات الحكومية، لافتاً إلى دور "الواسطة" في الحصول على هذه النتائج، وحذّر من تأخير الزواج، قائلاً: عند تأخُّر الفحوص الطبية، قد يتأخّر الزواج، وهذا مخالفٌ للسُّنّة النبوية، وطالب بافتتاح مراكز الفحص في المستشفيات الخاصّة حتى تستوعب جميع الحالات.  
 
 
تقوية النسيج الاجتماعي

 
من جانبه، أوضح أستاذ الخدمة الاجتماعية دكتور سعود ضحيان، إيجابيات الزواج خارج نطاق الأسرة قائلاً: إن الزواج وسيلة للتعارف بين أفراد المجتمع، فهو يؤدي إلى تقوية النسيج الاجتماعي، مضيفاً أن النسب يتكون من الزواجات المختلفة، وقال: إن النشء الجديد لهذه الزواجات يكوّن دماءً جديدة خالية من الأمراض، لأن معظم الأمراض الوراثية ناتجة من زواج الأقارب.


ورأى ضحيان أن المجتمع تقبّل الاستشارة الطبية؛ لأنها مطلبٌ اجتماعي لإتمام الزواج، مرجحاً عدم جدوى الفحص الطبي لدى أغلبية الأسر، وقال: هناك الكثير لا يزالون يرون عدم جدوى الفحص الطبي قبل الزواج ، وهذا نابع من ثقافة المجتمع التي ترسخ قيمة التوكل على الله، وعدم الاهتمام بما يحدث مستقبلاً، ولفت إلى دور العادات والتقاليد في تأييد الزواج العائلي. وأكد تنامي الوعي الصحي في المدن أكثر من القرى، مطالباً المختصّين بإجراء دراسات طبية ؛توضح التأثير السلبي لزواج الأقارب على مستقبل الأبناء، وقال: إن نتائج هذه الدراسات تسهم في الارتقاء بالوعي الصحي للأفراد، ومن ثَم يحدث الوعي الاجتماعي.

التــعليــقــات (0)
::: لا يوجد تعليقــات علي هذا الخبـر ::::
أضف تعليق جديد
الإسـم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
 
جاري ارسال التعليق ..
تم ارسال تعليقك بنجـاح وسوف يظهر تعليقك بعد نشره